الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
329
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
فمفعول كَذَّبَتْ محذوف لدلالة قوله بعده : فَقالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ والتقدير : كذبوا رسول اللّه . وتقدم ذكر ثمود ورسولهم صالح عليه السلام في سورة الأعراف . وباء بِطَغْواها للسببية ، أي كانت طغواها سبب تكذيبهم رسول اللّه إليهم . والطغوى : اسم مصدر يقال : طغا طغوا وطغيانا ، والطغيان : فرط الكبر ، وقد تقدم عند قوله تعالى : وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ في سورة البقرة [ 15 ] ، وفيه تعريض بتنظير مشركي قريش في تكذيبهم بثمود في أن سبب تكذيبهم هو الطغيان والتكبر عن اتباع من لا يرون له فضلا عليهم : وَقالُوا لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [ الزخرف : 31 ] . و إِذِ ظرف للزمن الماضي يتعلق ب ( طغواها ) لأن وقت انبعاث أشقاها لعقر الناقة هو الوقت الذي بدت فيه شدة طغواها فبعثوا أشقاهم لعقر الناقة التي جعلت لهم آية وذلك منتهى الجرأة . و انْبَعَثَ : مطاوع بعث ، فالمعنى : إذ بعثوا أشقاهم فانبعث وانتدب لذلك . و إِذِ مضاف إلى جملة : انْبَعَثَ أَشْقاها وقدم ذكر هذا الظرف عن موقعه بعد قوله : فَقالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ناقَةَ اللَّهِ لأن انبعاث أشقاها لعقر الناقة جزئي من جزئيات طغواهم فهو أشد تعلقا بالتكذيب المسبب عن الطغوى ففي تقديمه قضاء لحق هذا الاتصال ، ولإفادة أن انبعاث أشقاهم لعقر الناقة كان عن إغراء منهم إياه ، ولا يفوت مع ذلك أنه وقع بعد أن قال لهم رسول اللّه ناقة اللّه ، ويستفاد أيضا من قوله : فَعَقَرُوها و أَشْقاها : أشدها شقوة ، وعني به رجل منهم سماه المفسرون قدار ( بضم القاف وتخفيف الدال المهملة ) بن سالف ، وزيادته عليهم في الشقاوة بأنه الذي باشر الجريمة وإن كان عن ملإ منهم وإغراء . والفاء من قوله : فَقالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ عاطفة على كَذَّبَتْ فتفيد الترتيب والتعقيب كما هو الغالب فيها ، ويكون معنى الكلام : كذبوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فتحداهم بآية الناقة وحذّرهم من التعرض لها بسوء ومن منعهم شربها في نوبتها من السّقيا ، وعطف على فَكَذَّبُوهُ ، أي فيما أنذرهم به فعقروها بالتكذيب المذكور أول مرة غير التكذيب المذكور